صفي الرحمان مباركفوري
107
الرحيق المختوم
سمعت من محمد ؟ فقال : ما ذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : لنا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ واللّه لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه « 1 » . وكان أبو جهل يقول : يا محمد إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به ، فأنزل اللّه : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ « 2 » . وغمزه الكفار يوما ثلاث مرات ، فقال في الثالثة : يا معشر قريش ، جئتكم بالذبح ، فأخذتهم تلك الكلمة ، حتى إن أشدهم عداوة يرفؤه بأحسن ما يجد عنده . ولما ألقوا عليه سلا جذور وهو ساجد دعا عليهم ، فذهب عنهم الضحك ، وساورهم الهم والقلق ، وأيقنوا أنهم هالكون . ودعا على عتيبة بن أبي لهب فلم يزل على يقين من لقاء ما دعا به عليه ، حتى إنه حين رأى الأسد قال : قتلني واللّه - محمد - وهو بمكة . وكان أبيّ بن خلف يتوعده بالقتل . فقال : بل أنا أقتلك إن شاء اللّه ، فلما طعن أبيا في عنقه يوم أحد - وكان خدشا غير كبير - كان أبي يقول : إنه قد كان قال لي بمكة : أنا أقتلك . فو اللّه لو بصق علي لقتلني « 3 » - وسيأتي . وقال سعد بن معاذ - وهو بمكة - لأمية بن خلف : لقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إنهم - أي المسلمين - قاتلوك ، ففزع فزعا شديدا ، وعهد أن لا يخرج عن مكة ، ولما ألجأه أبو جهل للخروج يوم بدر اشترى أجود بعير بمكة ليمكنه من الفرار ، وقالت له امرأته : يا أبا صفوان ، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي ؟ قال : لا واللّه ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا « 4 » . هكذا كان حال أعدائه صلى اللّه عليه وسلم ، أما أصحابه ، ورفقاؤه فقد حل منهم محل الروح والنفس ، وشغل منهم مكان القلب والعين ، فكان الحب الصادق يندفع إليه اندفاع الماء إلى الحدور ، وكانت النفوس تنجذب إليه انجذاب الحديد إلى المغناطيس . فصورته هيولى كل جسم * ومغناطيس أفئدة الرجال
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 316 . ( 2 ) ابن هشام 2 / 84 . ( 3 ) رواه الترمذي في تفسير سورة الأنعام 2 / 132 . ( 4 ) انظر صحيح البخاري 2 / 563 .